هل تجلب مهنة التعليم في السعودية مكانة اجتماعية مرموقة ورضا وظيفي؟

في "أعناب" نقدّر المعلمين ونؤمن بأهميتهم، لكن كيف ينظر المعلمون إلى أنفسهم؟ وهل يشعرون بأن المجتمع ينظر إليهم باحترام وتقدير؟

قبل أن نحاول الإجابة على هذه الأسئلة، لا بد أن نستذكر أن الدول المتميزة تعليميًا تنظر جديًا إلى مفهوم مهنة المعلم باعتبارها مهنة ذات أهمية كبرى، يتمتع صاحبها بمكانة اجتماعية مرموقة بالضرورة نظرًا لمحوريتها في بناء الإنسان والمجتمع. ويتجلى هذا التقدير والاهتمام في كونها مهنة جاذبة لأفضل الكوادر، وذات معايير عالية من سياسات ترخيص ومؤهلات قبول، إضافة إلى كونها مهنة ينظر إليها يعين إجلال من قبل المجتمع ككل.

إلا أن العديد من الدراسات تشير إلى أن الكثير من المعلمين حول العالم لا يشعرون أن مهنة التعليم تلقى التقدير، فعلى سبيل المثال قامت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية بإجراء استبيان شارك فيه معلمو المرحلة الابتدائية في أكثر من ٣٠ دولة، حيث أشارت النتائج إلى أن أقل من ٢٠٪ فقط من المعلمين في العديد من الدول الأوربية كفرنسا، وإيطاليا، وإسبانيا، وبلغاريا، وبولندا، والسويد يعتقدون أن مهنة التعليم مقدرة في المجتمع، في حين أن٨٠٪ منهم لا يتفق مع هذه الفكرة1.

أجوبة المعلمين المشاركين بالاستبيان على عبارة "أعتقد أن مهنة التعليم مقدرة في المجتمع".

3Artboard 3

الدراسة نفسها تظهر أن البلدان ذات الأنظمة التعليمية الأكثر تميزًا وقوة، مثل سنغافورة، وفنلندا، وكوريا الجنوبية، وهولندا، وأستراليا، وبريطانيا، وماليزيا، أكثر من ٤٠٪ من المعلمين فيها على الأقل يعتقدون أن مهنة التعليم مقدرة في المجتمع2.

وبالتالي نستطيع أن نرى أن هناك علاقة طردية بين أداء النظام التعليمي ونظرة المجتمع لمهنة التعليم، كلما كان النظام التعليمي في دولة ما قويًا، تلقت مهنة التعليم تقديرًا أكبر من المجتمع، طبعًا مع وجود بعض الاستثناءات.

لكن كيف هو الحال في سياقنا المحلي السعودي؟

حتى نجد إجابة على هذا السؤال، قمنا في منصة "أعناب" بطرح استقصاء رأي بهدف فهم وجهة المعلمين في السعودية حول مكانة مهنة التعليم في المجتمع السعودي وشعورهم اتجاه عملهم بصفتهم معلمين. شارك بالاستقصاء ٨٤٤ شخصًا، استُبعِد غير المعلمين منهم. الرسومات البيانية أدناه توضح التوزيع الديموغرافي للمشاركين الذين أخذت إجاباتهم بعين الاعتبار والبالغ عددهم ٧٨٧ مشاركًا.

3Artboard 3 copy-1

سألنا المعلمين إن كانوا يتفقون أم لا مع مجموعة من العبارات التي تركز على ٣ أفكار رئيسة:

  1. هل تجلب مهنة التعليم شعورًا بالرضا؟
  2. هل يشعر المعلم أن مهنة التعليم تكسبه مكانة اجتماعية متميزة؟
  3. هل اختار المعلم مهنة التعليم عن اقتناع أم بسبب ظروف ما؟

كانت النتائج بشكل عام إيجابية، فنحو ٦٤٪ قالوا إن عملهم بصفتهم معلمين يمنحهم شعورًا بالرضا، و٦٨٪ قالوا إنها تجلب لهم إحساسًا بالفخر. وفي حين أن ٥١٪ قالوا إن عملهم يكسبهم مكانة اجتماعية مرموقة، ٣٣٪ فقط قالوا إن المجتمع يقدر ويحترم المعلمين.

3Artboard 3 copy 2

وهذا التباين بين نظرة المعلمين لمكانتهم الاجتماعية وبين نظرة المجتمع المُتصورة لهم تستدعي التأمل، فمن ناحية يمكن اعتبارها على أنها تحيز ذاتي (self-serving bias) وهو ما يقع فيه البشر عادة عندما يقيمون أنفسهم وأفعالهم، ومن ناحية أخرى يمكن اعتبارها نظرة إيجابية يتمسك من خلالها المعلمون بفكرة أهمية مهنتهم والدور الذي يؤدونه بالرغم من أن غالبيتهم يشككون في مدى تقدير المجتمع لدورهم.

أما فيما يتعلق بما إذا كانت مهنة التعليم هي اختيارهم الأول، وأنها قرار قد بُني على قناعة، فنحو نصف المشاركين قالوا بأنهم يشعرون أن اختيارهم لمهنة التعليم كان قرارًا صائبًا، وأنهم لم يكونوا مضطرين لاختيار مهنة التعليم، إنما كانوا راغبين بها منذ البداية.

وبالرغم من أن مهنة التعليم تمنح شعورًا بالرضا والفخر كما عبر الأغلبية، وبالرغم من أن ٤٨٪ قالوا إنهم يحبون مهنة التعليم ولا يفكرون في تغييرها، إلا أن ٤٦٪ قالوا إنهم سيغيرون مهنة التعليم إن تسنت لهم فرص وظيفية أفضل في مجالات مهنية أخرى بعيدة عن التعليم.

مرة أخرى، هنا تباين يدعونا للتساؤل، إذا كان شعور الرضا المهني والشغف موجودًا، فما الذي يجعل هؤلاء المعلمين يتركون مهنة التعليم إن توفرت لهم فرص أخرى أفضل؟ هل هو التعويض المادي؟ من المثير للاهتمام أننا عندما حللنا البيانات بحسب الراتب، لم نجد أي فروقات في الأجوبة، فكانت أنماط آراء المعلمين الذين يتقاضون راتبًا شهريًا مقداره١٠ آلاف ريال سعودي فأقل هي ذاتها أنماط آراء المعلمين الذين يتقاضون أكثر من ١٠ آلاف شهريًا، وبالتالي يبدو أن المادة ليست هي الحافز الأكبر، فماذا يكون يا ترى؟

عن دور الجنس والعمر في تشكيل فروقات في نظرة المعلمين لمهنتهم ومكانتهم الاجتماعية

عندما حللنا إجابات كلا من الإناث والذكور على حدة، ظهرت لنا اختلافات واضحة بين توجه الجنسين، وآرائهم، وتطلعاتهم. فبشكل عام وجدنا أن المعلمين الذكور أقل رضا عن مهنتهم ومكانتهم الاجتماعية بكونهم معلمين.

Artboard 3 copy 3

وحول قرارهم بالالتحاق بمهنة التعليم، فقد أشار ٦٠٪ من المعلمين الذكور بأنهم كانوا راغبين بها ولم يكونوا مضطرين لاختيارها، لكن المثير في الاهتمام، أن ٤٨٪ فقط اعتقدوا أن هذا كان قرارًا صائبًا، وهو ما يمكن تفسيره أن خلال خوض المعلمين الذكور لمهنة التعليم واجهتهم عوامل جعلتهم يغيرون نظرتهم لهذه المهنة، بتعبير آخر الواقع لم يتوافق مع توقعاتهم، والعكس صحيح، يبدو أن المعلمات الإناث كانوا بشكل أكبر غير راغبات بهذه ابتداء، وأنهن كن مضطرات لاختيار هذه المهنة، إلا أنهم بعد خوضهن للعمل في التعليم وجدن أن قرارهن كان صائبًا.

Artboard 3 copy 4

وتظهر نتائج استقصاء الرأي أن المعلمين الذكور أكثر قابلية لترك مهنة التعليم إذا ما توفرت لهم فرص أفضل خارج مجال التعليم، وهذا يمكن عزوه لأمرين: أولهما كون المعلمين الذكور أقل رضا عن مهنتهم بشكل عام كما أسلفنا، والأمر الآخر أن الكثير من النساء يملن إلى تفضيل مهنة التعليم لكونها تتناسب مع طبيعة التقاليد والأدوار الجندرية المتعارف عليها.

Artboard 3 copy 5

ماذا عن الفوارق العمرية؟

عندما حللنا البيانات بحسب الفئة العمرية، وجدنا فروقًا بين إجابات المشاركين الذين يبلغون الأربعين عامًا فأقل، وبين أولئك الذي يتجاوزون الأربعين عامًا. فبشكل عام كان أصحاب الفئة العمرية الأصغر أقل رضا عن مهنتهم ومكانتهم الاجتماعية بصفتهم معلمين.

Artboard 3 copy 6

كما أن الفئة العمرية الأصغر أكثر قابلية لترك مهنة التعليم في حال توفر فرص أخرى أفضل.

Artboard 3 copy 7

الآن، ماذا نستنتج من كل هذه الأرقام؟

هناك ٣ دروس مهمة تخبرنا بها نتائج استقصاء الرأي هذا، يمكن تلخيصها على النحو الآتي:

  • أولًا: إيجاد استراتيجيات فعّالة لجذب الكفاءات وكسبها من المعلمين الذكور

من المعروف أن هناك فرقًا كبيرًا بين أداء الطلاب والذكور والإناث، فالطالبات الإناث أكثر تفوقًا أكاديميًا، وهذه ظاهرة عالمية ليست مقتصرة على السعودية فقط، وإحدى أهم الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة في السياق المحلي تحديدًا هي أن أداء المعلمات بشكل عام أفضل من أداء المعلمين، وبالتالي تتلقى الطالبات تعليمًا ذا جودة أفضل نظرًا لكفاءة المعلمات. لذلك نعتقد أن إحدى الوسائل لردم هذه الفجوة هو التركيز على رفع الرضا المهني عند المعلمين الذكور تحديدًا حتى يتمكن القطاع من استقطاب والإبقاء على أفضل المعلمين الذكور والتقليل من إمكانية خسارتهم لمهن ووظائف أخرى خارج مهنة التعليم. نوصي بأن يولي هذا الملف الحساس اهتمامًا إضافيًا من خلال إجراء دراسة تبحث "مواطن الألم" عند المعلمين الذكور أو ما يجعلهم غير راضين، واتخاذ الإجراء المناسبة للحد منها، كما أن من الجدير بالبحث هو نظرة المجتمع للمعلم في مقابل المعلمة، أو نظرة المجتمع المهني تحديدًا لهذه المهنة بحسب الجنس، هل يحظى المعلم الرجل بمكانة مرموقة مثل مدير مشاريع في شركة خاصة أو حتى حكومية ما؟ هذه المعرفة ستمكن أصحاب القرار من تكوين مبادرات وطنية تركز على إعادة صياغة دور ومكانة المعلم بهدف إنشاء نظرة مجتمعية جديدة اتجاهه.

  • ثانيًا: إيجاد استراتيجيات فعّالة لجذب الكفاءات وكسبها من المعلمين من فئة الشباب (٢٢ – ٤٠ سنة)

لا شك أن الجيل الناشئ من المعلمين يحملون مرئيات وطموحات وهمومًا تختلف عن الأجيال التي سبقتهم، وهذا جلي في نتائج الاستقصاء، فعلى سبيل المثال، في السابق كانت مهنة التعليم هي الخيار الأنسب وربما أحيانًا الأوحد للنساء في المجتمع السعودي، أما الآن مع توسع سوق العمل، أصبحت هناك خيارات أخرى تستقطب أفضل الكوادر النسائية، وكما رأينا في النتائج، الفئة الشبابية لديها قابلية أكثر لترك مهنة التعليم، فما الذي يمكن فعله لجذبهم؟ أولًا نوصي أن يتم إجراء الدراسات الميدانية لفهم احتياجات هذه الفئة في ظل متغيرات العصر وما الذي يعنيه أن يكون لدى المرء مهنة مرضية تحقق ذاته في القرن الواحد والعشرين، ثانيًا، أحد أهم أسباب العزوف عند المعلمين هي أن بيئة المدرسة عادة تفتقد إلى المهنية، خاصة فيما يتعلق بطريقة سير العمل والتعاملات بين العاملين، لذلك نحتاج إلى مبادرات تركز على ضبط جودة العمل والممارسات المهنية في المدارس.

  • ثالثًا: لنتذكر أن الرضا المهني لا يعني بالضرورة أداء أفضل

بالرغم من أن الأرقام تشير إلى أن هناك شعورًا بالرضا والفخر والمكانة المرموقة عند المعلمين في السعودية بشكل عام، فلا يعني هذا أن هذا الرضا المهني جاء نتيجة لوجود منظومة تعليمية قوية محليًا كما توضح نتائج اختبارات "بيزا" وتقارير منظمة" التعاون الاقتصادي والتنمية"، التي توضح أداء المملكة العربية السعودية مقارنة مع بقية الدول. لكن نتائج هذا الاستقصاء يخبرنا بأننا لدينا أرض خصبة، فالكثير ممن يعملون في التعليم يقدرون هذه المهنة فعلًا ويشعرون بأهمية الدور الذي يؤدونه من خلالها. فكيف نعزز هذا الشعور ونوظفه بطريقة تنعكس على تحسين الأداء؟ إحدى السبل هي أن توجد سياسات عامة وأجندة وطنية تؤكد على أهمية مهنة المعلم وأنها مهنة تتطلب أفضل الكفاءات والمؤهلات، وهذا ما يحدث فعلًا من خلال مبادرة ترخيص المعلمين، أما السبيل الآخر هو أن يتم الاستثمار المكثف في رفع كفاءات المعلمين من خلال التطوير المهني التطبيقي المستمر، فمنظومة التعليم بأكملها تعتمد في نهاية الأمر على جودة المعلم، وهنا بالضبط ما نسعى لتحقيقه من خلال منصة "أعناب".

عن عناقيد العنب والتطور المهني للمعلمين

خلال السنوات السبعة الماضية خضنا تجارب ميدانية في المدارس وأجرينا بحوثًا مستفيضة لمحاولة إجادة أجوبة لسؤال كيف نصلح التعليم؟ وفي كل مرة كانت الإجابة ذاتها تفرض نفسها وهي: جودة المعلم تحدد جودة التعليم. وجدنا أن المعدل العالمي لساعات التطوير المهني هي ٨٠ ساعة سنويًا لكل معلم، في حين أن المعدل في السعودية هو ١٠ ساعات فقط، كما وجدنا أن نحو ٤٠٪ من المستهلكين للدورات التدريبية لمنصة إديكس هم فئة المعلمين، معلومات كهذه تقول الكثير عن طبيعة مهنة التعليم وكيف أنها تعتمد بشكل أساسي على التطوير المهني المستمر والتعلم لمدى الحياة، لذلك فكرنا في أسرع طريقة من شأنها المساهمة في ردم هذه الفجوة المهارية محليًا وهي إنشاء منصة "أعناب"، جربنا أول دورة وهي دورة "عقلية النمو"، وتفاجأنا بتسجيل أكثر من ١٧ ألف شخص في أسبوع واحد فقط! تيقنا حينها أن هناك حاجة شديدة وتعطشًا للتعلم عند المعلمين.

كل دورة نقدمها في "أعناب" هي بمثابة حبة عنب، حبة صغيرة وسريعة، لكنها ذات جودة وفائدة عالية، وحبة فحبة يتكون عنقود من المعرفة، العنقود الذي يجمعه المعلم شيئًا فشيئًا ليكون زاده في رحلة تطوره المهني المستمر.

نؤمن أن المعلم الكفؤ هو الإجابة، هو الهدف، هو المحور، فدونه لا تستوي أي منظومة تعليمية، نريده أن يحظى بالتقدير والاحترام الذي يستحقه من المجتمع، نريده أن يكون محط اهتمام واستثمار من قبل صانعي القرار، وقبل كل ذلك، نريده أن يكون المُلهَم والمُلهِم لأن يكون متعلمًا لمدى الحياة وألا يتوقف يومًا عن تطوير ذاته.

 

 

---------

1  World Class: How to Build a 21st Century School System, OECD 

2 المصدر السابق