كيف يمكن للمعلمين تعزيز «الصمود النفسي» لدى الطلاب المتضررين من الحروب؟

 

شهدنا في الآونة الأخيرة أحداثًا محزنة في فلسطين كان أول ضحاياها الأطفال والذين يشكلون عادة الغالبية العظمى من المتضررين في المناطق التي تعاني من الحروب والنزاعات العسكرية، وتختلف أشكال الضرر الجسيم على الأطفال من التعرض لأمراض مميتة بسبب سوء التغذية، وانعدام الخدمات الصحية، إلى الإصابة بالاضطرابات النفسية الحادة، لذلك يسعى الكثير من الباحثين والعاملين في المنظمات الدولية الإنسانية إلى تخفيف آثار هذه الأضرار الجسيمة عبر توفير أدوات ومهارات للنجاة في الحياة تتمحور حول التعليم، حيث إن الجهود الإغاثية لا تقتصر على توفير الاحتياجات الأساسية من ملجأ آمن، وغذاء، ودواء، بل هناك حرص شديد موازٍ على تعليم الأطفال، كون التعليم هو السلاح الأنجح لكسر دائرة الفقر الناتجة عن الحروب المهلكة[1]

 

يوجد اليوم ما بين ٢٧ إلى٣٠ مليون طفل حُرم من الذهاب إلى المدرسة في مناطق النزاعات والحروب بحسب إحصائيات اليونيسيف[2]، وهذا تحدٍ دولي كبير تُضاعفُ من آثاره جائحة كورونا، إلا أن تركيز التربويين لم يعد يُعنى فقط بمهارات القراءة، والكتابة، والحساب، ومهارات العمل باعتبارها عوامل وحيدة تقوم عليها مناهج التعليم لهذه الفئة، بل هناك أيضًا اهتمام واسع حديث بتنمية وتعزيز ما يسمى بـ «الصمود النفسي» أو (Resilience)، وهو ما يعرّف على أنه «عملية ديناميكية تتميز بالتطور الإيجابي على الرغم من المحن الكبيرة التي يواجهها الفرد»[3].

 

 عن عملية تشكل الصمود النفسي

وجدت بعض الدراسات التي تبحث في تأثير الحروب على الأفراد أن الأطفال الذين تعرضوا لعدد كبير من الحوادث المؤلمة لديهم قدرة أكبر على الصمود النفسي وبالعادة لا يطورون أنماطًا دائمة من الضغط النفسي[4]، وفي المقابل يوجد أطفال يعانون من آلام نفسية تستمر معهم مدى الحياة بسبب حادث مروع واحد فقط أو عدد قليل من الحوادث[5].

أن يكون الطفل ذا صمود نفسي يعني ذلك أنه سيبلي بلاء حسنًا في الحياة بشكل عام، ويكون لديه القدرة على التكيف تحت الضغوطات، لا سيما في سياق المصاعب الشديدة وظروف الحياة غير المواتية[6].

وبناءً على ذلك، يستنتج بعض الباحثين أن الصمود النفسي ليس سمة أو خصلة شخصية كما قد يظن الكثير منا، بل هو "عملية" يتشكل من خلالها مدى استجابة الفرد للشدائد والقدرة على الاعتماد على عوامل من محيطه ليحمي بها نفسه، الصمود النفسي هو مقياس للطريقة التي يستخدم بها الأطفال مواردهم ويطورونها للتعامل مع المصاعب بشكل إيجابي، والتكيف مع مواقف وتحديات الحياة[7].

وهناك عدة عوامل متداخلة تؤثر على تشكل الصمود النفسي عند أطفال الحروب تحديدًا، منها مدة وشدة الأحداث المؤلمة، وعمر الطفل، ونوعية العناية التي تُوفر للطفل، بالإضافة إلى شخصية الطفل وطباعه. كل هذه العوامل تبدو للمُربّي والمعلم عوامل خارج سيطرته، إلا أنه لحسن الحظ توجد استراتيجيات تساعد المدارس والمربين على تعزيز الصمود النفسي عند أطفال الحروب.

 

عوامل واستراتيجيات دعم الطلبة والطالبات المتأثرين بالحروب

ابتداءً، تفرق الدراسات بين نوعية العوامل التي تؤثر في الطلاب المتضررين من الحروب بحسب الجنس، فإن كلاً من الذكور  والإناث يتطلب دعمًا مختلفًا؛ فهم هذه العوامل وتصميم مبادرات وسياسات تعليمية لتعزيزها سيساعد المدارس والمعلمين على توفير بيئة تدعم تنمية الصمود النفسي عند هؤلاء الطلاب، نلخص هذه العوامل كما يلي[8]:

عوامل تعزيز الصمود النفسي عند الطلاب الذكور:

  • إيجاد طرق إيجابية للتعامل مع الصراع أو المشكلات الأسرية نظرًا لأهمية وجود أسرة داعمة قوية (خاصة الوالدين)
  • استقرار السكن
  • وجود معلمين يكترثون لأمر الطلاب، ويقدمون المساعدة والدعم لهم
  • وجود مرشد بالغ أو نموذج يحتذى به في المدرسة، يمكن أن يلجأ إليه الأولاد للحصول على المشورة
  • إيجاد فرص للانخراط في المدرسة والأنشطة المجتمعية بما في ذلك الرياضة، والفنون، وإيجاد فرص وبيئة آمنة لقضاء بعض من الوقت الممتع مع الأصدقاء
  • التشجيع على إحراز إنجازات وتقدم في المهارات اللغوية
  • تعزيز القدرة على المشاركة في المجتمع المدرسي، وتنمية شعور الطالب بأنه جزء من هذا المجتمع، وبث الشعور بالتقدير سواء من قبل مجتمع المدرسة أو من المجتمع الأوسع 

عوامل تعزيز الصمود النفسي عند الطالبات الإناث:

  • وجود معلمين يشيدون بإنجازات ونجاحات الفتيات الفردية في المدرسة
  • وجود شخص بالغ في بيئة المدرسة تستطيع الفتيات التوجه إليه للحصول على المساعدة والمشورة
  • وجود علاقات جيدة مع الأقران والأصدقاء الداعمين في المدرسة
  • توفير دروس خصوصية ودعم تربوي أثناء ساعات الدراسة، ليس فقط بعد ساعات المدرسة التي قد تحتاج الطالبات إلى قضائها في تأدية مسؤوليات الأسرة
  • إيجاد طرق لمساعدة الفتيات على تحقيق التوازن الأسري والاحتياجات التعليمية، وتعزيز دعم الأسر لالتحاق الفتيات بالمدارس
  • الدعم الخارجي وتوفير الموارد للأسر حتى لا يثقل كاهل الفتيات بمسؤوليات رعاية الأشقاء الصغار، أو مساعدة الأسرة فيما يتعلق بالإسكان والصحة وقضايا الاستيطان الأخرى

أما بالنسبة للاستراتيجيات التي يمكن للمعلمين تطبيقها داخل الصف الدراسي وخارجه لتنمية عملية الصمود النفسي وتجاوز العقبات النفسية عند الأطفال المتضررين من الحروب، فنستعرضها في الجدول التالي:

Screen Shot 2021-05-27 at 1.49.58 PM

 

في النهاية، يهمنا التأكيد على أنه مهما اختلفت الاستراتيجيات التي يمكن للمدارس والمعلمين تقديمها لتنمية وتعزيز الصمود النفسي عند أطفال الحروب، يبقى جوهرها واحد؛ ألا وهو تقديم الدعم النفسي والاحتواء لهؤلاء الأطفال الذين شهدوا أقصى درجات الظروف القاسية التي يمكن للإنسان أن يمر بها، فالتعليم والدعم النفسي ليسا رفاهية، بل أحد الاحتياجات الأساسية لا تقل أهمية عن المسكن، والغذاء، والدواء وغيرها من الاحتياجات التي تحفظ حق الإنسان في الحصول على حياة سوية وكريمة.

 

[1] The Impact and Effects of War on Children
[2]  UNISEF Website
[3] Life After War: Education as a Healing Process for Refugee and War-Affected Children, 2012
[4] Bonanno, G., & Mancini, A. (2008). The human capacity to thrive in the face of potential trauma
[5] American Psychological Association, 2010
[6] Life After War: Education as a Healing Process for Refugee and War-Affected Children, 2012
[7] المصدر السابق
[8] Refugee Health Research Centre, 2007