روندا بوندي: من قطف الخضروات بالمزرعة إلى تدريس منهجيات التعليم المتمايز بجامعة هارفرد

 

«عندما كنت طفلة، كنا أنا وأختي نحصل على العديد من الدروس المنزلية من الأقرباء، كنا نستيقظ  في الخامسة صباحًا لنقطف الخضروات والفواكه من مزرعتنا لنصنع المخللات، والمربى، وصلصة الطماطم...من هذه التجربة تعلمت أهمية النمذجة والتوجيه، كما أتذكر جيدًا كيف أن عماتي وجداتي كن يكيفن الإرشادات المعطاة بناءً على أعمارنا ومهاراتنا المتفاوتة أنا وفتيات العائلة، كنت أنا الفتاة الأصغر سنًا، لذلك كنت أحصل على وعاء صغير من خليط الخبز لأعجنه وأشكله لكرات صغيرة، لهذا اليوم أستمتع بالفروقات التي يتميز بها طلابي، وأستمتع بتكييف الإرشادات للتأكد من أن الجميع يشعر أنه مقدّر ويبذل الجهد اللازم لتطوير مهاراته، أعتقد أن السمات التي تطغى على طريقة تدريسي تعود أصولها لذكريات الطفولة التي خضت فيها تعليم نشط» [1]

  كانت هذه إجابة الدكتورة "روندا بوندي"، وهي المحاضرة في التعليم ورئيسة أعضاء هيئة التدريس في التعليم المتمايز المصمم للتطبيق العملي ورئيسة التطوير المهني في كلية الدراسات العليا للتعليم في جامعة هارفارد، عندما سُألت عن ذكريات الطفولة التي تركت لديها أثر دائم ساهم لاحقًا في أن تصبح معلمة.

 

تساؤلات "روندا"

كمعلمة، كان مصدر الإلهام لدى "روندا بوندي" هو الوصول إلى كل طفل في صفها، كانت تعلم أن هناك اختلاف كبیر بین الطلاب من ناحیة التجارب ومستوى الفهم والاهتمامات ونقاط قوة والاحتیاجات، وقد حاولت معالجة هذه الفجوات بالتخطيط والتحضير الإضافي اللذان كانا يستغرقان منها الكثير من الوقت والجهد، بالرغم من النتيجة كانت زيادة في تفاعل الطلاب لكن دون تحقيق مخرجات تعليمية أفضل بالضرورة أو تحسين في فهم الطلاب للمحتوى. أحيانًا كانت "روندا" تقضي عطلات نهاية الأسبوع وهي تعمل على توفیر مواد تعلیمیة مناسبة للطلاب، لكن دون جدوى، حیث كانت تجد أن طلابها لا یزالوا غیر متفاعلین أثناء الدرس، ومن ناحية أخرى، وجدت أن الطلاب الراغبين في محتوًا أكثر تحدي لقدراتهم لايزالون يشعرون بالملل وعدم الاهتمام، فتساءلت: «هل من الممكن أن يتمایز التدریس بشكل یومي؟ وهل یمكن أن یضمن هذا التعلم الفعال لجمیع الطلاب؟»

  

بعد قضاء سنوات عدة في التعليم وحضور الكثير من ورش العمل والبرامج التدريبية، اكتشفت "روندا" أن تطبيق تمايز التدريس ﺑﺸﻜﻞ ﯾﻮﻣﻲ هو أﻣﺮ ﻋﻤﻠﻲ وﻓﻌﺎل ﺣﯿﻦ ﯾﺘﻢ اﺳﺘﺨﺪام اﻻﺳﺘﺮاﺗﯿﺠﯿﺎت اﻟﺘﻌﻠﯿﻤﯿﺔ الصحيحة، والأهم من ذلك أنها تعلمت منهجيات وفرت عليها الوقت والجهد، فكانت النتيجة أنها استطاعت ﺗﻐﻄﯿﺔ وﺣﺪﺗﯿﻦ إﺿﺎﻓﯿﺘﯿﻦ ﺧﻼل اﻟﺴﻨﺔ ﻷﻧﻬﺎ أﺻﺒﺤﺖ ﺗﻘﻀﻲ وﻗﺘًﺎ أﻗﻞ ﻓﻲ اﻟﻤﺮاﺟﻌﺔ وإﻋﺎدة اﻟﺸﺮح، كما أنها استعادت ﺣﯿﻮﯾﺘﻬﺎ وﻃﺎﻗﺘﻬﺎ ﻣﻤﺎ ﻣﻜّﻨﻬﺎ ﻣﻦ اﻹﻧﻀﻤﺎم إﻟﻰ نادي لممارسة الرياضة ﻷول ﻣﺮة ﻣﻨﺬ أن ﺑﺪأت ﻣﺰاوﻟﺔ ﻣﻬﻨﺔ اﻟﺘﺪرﯾﺲ!

الآن وبعد أكثر من ٢٠ عامًا من البحث والتجريب والممارسة في خلق بيئة شاملة للطلاب يتفاعلون عبرها ويشعرون بالتقدير داخل الصف الدراسي، تسعى "روندا بوندي" إلى مشاركة أعمالها وبحثها في التعليم المتمايز حول العالم، فصممت برنامجًا تدريبًا يمكن المعلم من التعرف على أهم منهجيات التعليم المتمايز والمرن، وقد قامت بتصميم نسخة خاصة من البرنامج تلائم المعلم العربي ضمن مبادرة الشرق الأوسط للتعليم المهني المقدم من قِبَل قسم التعليم المهني في كلية الدراسات العليا للتعليم في جامعة هارفارد.

ولأننا في "أعناب" نحرص على تقديم محتوى عالي الجودة وفق أحدث الممارسات التربوية المتسقة مع الممارسات العالمية، فقد قمنا بعقد شراكة مع قسم التعليم المهني في كلية الدراسات العليا للتعليم في جامعة هارفارد، لتقديم هذا البرنامج، برنامج التفكير المرن، والذي يستعرض كيفية اتخاذ المعلمين للقرارات عند تطبيق التدريس المتمايز، وهو بلا شك أحد المواضيع الملحة حاليًا للقطاع التعليمي في أزمة كورونا؛ إذ يؤثر على كيفية تفكير وتعاطي المعلمين والقادة لمسألة التعليم في هذه الظروف الاستثنائية.

ويركز هذا البرنامج على تمكين المعلم من خلال ٤ محاور رئيسة:

  • تطوير المهارات العملية التي تعمل على تجهيز المعلمين بشكل أفضل لتحديد وتحليل وتفسير استجابات الطلاب وتحديات التعلم في الفصل الدراسي.
  • دمج المرونة والسرعة في أساليب التدريس للمعلم، بحيث يتعلم المشاركون متى يقدمون المساعدة وكيفية تعديل أساليب التدريس ومتى يجب تغيير روتينيات الفصل الدراسي وكيفية تحديد النهج التعليمي الأكثر فعالية.
  • بناء قاعدة أساس قوية للتفكير المرن والذي يدعم المعلمين في جهودهم للنجاح في التدريس المتمايز.
  • إنشاء خطة تنفيذ مخصصة تساعد المشاركين على ضمان مشاركة جميع المتعلمين وتقييمهم وتوسيع أفقهم باستمرار. 

خلال شهر أبريل اتم ١٥ متدرب البرنامج بنجاح، وقد كان من بينهم معلمون وقادة مدارس من مختلف الخلفيات، إلا أن غايتهم كانت واحدة، وهي الارتقاء بمستوى الطلاب وبناء مهاراتهم.

 

Student

  عبد الله الأحمري: القائد المعلم ذو الطموح اللامحدود

الأستاذ "عبد الله الأحمري"، وكيل بمدرسة رحيمة الثانوية برأس تنورة، كان أحد المشاركين ببرنامج التفكير المرن. سألناه عن دوافعه للالتحاق بهذا البرنامج، فكانت إجابته:

«عندما أتى إعلان دورة التفكير المرن من منصة أعناب بالشراكة مع جامعة هارفرد العريقة شعرت بحماس كبير وخططت للاشتراك به، لكني ترددت لخوفي من عدم اجتياز الدورة بسبب حجم التحدي في الالتزامات الكثيرة والضغوط الكبيرة المطلوب إنجازها قبل نهاية العام الدراسي، لكن ما معنى الحياة دون تحدي جديد؟ وما معنى الحياة دون تجربة جديدة؟

التجارب المختلفة تصنع منك شخص مختلف، معلم مختلف، معلم متمكن، معلم لا ينساه طلابه حتى بعد سنون..»

ويضيف:

«أتذكر عندما كنت معلمًا قبل عدة سنوات وطبقت استراتيجيات التعليم النشط لأول مرة، شعرت بالخوف من ردة فعل الطلاب، لكني صدمت عندما رأيت تفاعلهم وتجاوبهم في الصف! التمايز في التعليم يعتبر ممارسة حديثة نسبيًا، وهو ضروري جدًا لأنه يوفر فرص متعددة الطلاب بالتركيز على احتياجاتهم الفردية، مما يساعد في تمكينهم من بناء المهارات، كل هذه الأمور حفزتني للمشاركة بالبرنامج».

وعن أهم الدروس المستفادة من البرنامج، يقول الأستاذ "عبد الله":

«تعلمت أهمية وأثر تطبيقنا للتدريس المتمايز على طلابنا ودوره الكبير في تحقيق أهدافنا بمرونة وبجودة قدر المستطاع.

‏تعلمت البحث عن حلول لتقديم أساليب تعليم تتناسب مع احتياجات الطلاب المختلفة، ومراعاة الفروق الفردية، والاستعداد للمواقف التعليمية والإشارات التي قد تطرأ أثناء حصتي وتدريسي مثل تأخر مجموعة طلاب في رحلة مدرسية، أو شرود وتململ عدة طلاب من الدرس.

تعلمت وتدربت كيف اتخذ قراراتي كمعلم عند تطبيق التدريس المتمايز، وكيف استثمر الأساليب المناسبة لرفع فاعلية تعلم الطلاب واستثارة دافعيتهم، وقست عليها مواقفي التعليمية والتربوية السابقة وقيمت أداء أساليبي التدريسية والاستراتيجيات التي سبق استخدمتها واكتشفت أنه منها المميز ومنها الجيد ومنها الذي لا يصلح للتطبيق ومنها الصالح لتطبيقه مع بعض الطلاب دون آخر مثل طالب منخفض المستوى وطالب موهوب»

العديد ممن التحقوا ببرنامج التفكير المرن، الذي أعدته الدكتورة "روندا بوندي" وقسم التعليم المهني بهارفرد، يشاركون الأستاذ "عبد الله" الرأي حول فاعلية البرنامج في التركيز على منهجيات التعليم المتمايز وتطبيقاته العملية في الصف الدراسي، فقال بعض المعلمين في تقييمهم للبرنامج:  

«...بالنسبة لي كان مصطلح [مراعاة الفروق الفردية] واحد لا یتجزأ إلا أجزاء بسیطة تراعي جمیع جوانب الدرس، طور [البرنامج] معرفتي بقیاس مستوى جودة الدرس من خلال التركیز على مدى وضوحه للطلاب، ومدى الحاجة إلى إيصال المعلومة، وكیف تدعم التحدي عند الطلاب، وكیف تتوافق مع اهتماماتهم لجذبهم للتعلم»

وقال آخر:

«أجمل ما في الدورة حقیقة إعطاء أمثلة من داخل حجرة الصفوف وخلق مشكلة تجعل المتدرب یعیش تفاصیلها وواقعیتها، فهي ممكنة الحدوث بشكل كبیر». 

ونحن نقول: سواء كنت مثل "روندا" متأثرًا بتجاربك التعليمية في الطفولة، أو ملهمًا بالتطوير المستمر مثل "عبد الله"، هناك الكثير من الفرص المتاحة لك اليوم لتتعلم كيفية الوصول إلى تحقيق أفضل نتائج ممكنة مع طلابك وتساهم في تغيير حياتهم إلى الأفضل.

للاطلاع على تفاصيل برنامج التفكير المرن والتسجيل به، اضغط هنا  

[1]  The Making of Lecturer Rhonda Bondie, Harvard Ed. Magazin